ابراهيم بن عمر البقاعي
73
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لضاق الأمر ، واتسع الخرق ، وامتنع الرتق وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ بما جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم أَبْناءَكُمْ بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم ، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء ، ولا يكون لابن أبوان ، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب ، وعم الارتياب ، وانقلب كثير من الحقائق أيّ انقلاب ، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أيّ أبواب ، فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابنا لك أيها النبي بتبنيك له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله ، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه البغوي وغيره : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » ، وبين أن التبني إنما هو مجاز ، وأن المحرم إنما هو زوجة الابن الحقيقي وما ألحق به من الرضاع ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان تبنى زيدا لقصة مذكورة في السيرة ، روى البخاري عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ « 2 » . ولما أبطل هذا سبحانه ، استأنف الإخبار عما مضى من عملهم فيه فقال : ذلِكُمْ أي القول البعيد عن الحقيقة ، وأكد هذا بقوله : قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي لا حقيقة له وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة قلوبكم ، فإن كل من يقول ذلك لا يعتقده ، لأن من كان له فم كان محتاجا ، ومن كان محتاجا كان معرضا للنقائص كان معرضا للأوهام ، ومن غلبت ، عليه الأوهام كان في كلامه الباطل وَاللَّهُ أي المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات الكمال يَقُولُ الْحَقَّ أي الكامل في حقيته ، الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه ، فلا قدرة لأحد على نقضه فإن أخبر عن شيء فهو كما قال ، ليس بين الخبر والواقع من ذلك المخبر عنه شيء من المخالفة ، وإن أتى بقياس فرع على أصل لم يستطع أحد إبداء فرق ، فإن أقواله سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة فيها بكون ، فإذا قال قولا وجد مضمونه مطابقا لذلك القول ، فإذا طبقت بينهما كانا سواء ، فكان ذلك المضمون ثابتا كما كان ذلك الواقع ثابتا ، فكان حقا ، هكذا أقواله على الدوام ، لأنه منزه سبحانه عن النقائص فلا جارحة ثم ليكون بينها وبين معد القول مخالفة من فم أو غيره وعن كل ما يقتضي حاجة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الفم أولا دليلا على نفيه ثانيا والحق ثانيا دليلا على ضده الباطل أولا ، وسرّ ذلك أنه ذكر ما
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره 3 / 436 بلا سند وبدون عزو لأحد وذكره الواحدي 690 بلا إسناد . ( 2 ) أخرجه البخاري 4782 ومسلم 2425 والترمذي 3209 و 3814 والنسائي في التفسير 416 والواحدي 691 من حديث ابن عمر .